Blog
موعد العشاء

موعد العشاء
كانت أمسية باردة صافية في المدينة، ونسيم خفيف يهمس بين الأشجار. الفوانيس تضيء الشوارع وتمنح المدينة لمعة ذهبية. في زاوية ساحة صغيرة جميلة كان هناك مطعم يأخذكِ فوراً إلى عالم آخر، مكان لا سلطان للوقت فيه وكل شيء يدور حول الجو والاستمتاع.
دخلتِ المطعم فاستقبلكِ رئيس الخدم بابتسامة ودودة. «مساء الخير سيدتي. طاولتكِ جاهزة»، قال، ورافقكِ إلى طاولة مرتبة بعناية عند النافذة، تطل على الساحة الصغيرة نفسها.
الطاولة محجوزة ومجهزة بعناية: ضوء الشموع يلقي وهجاً دافئاً، ورائحة خفيفة لورود مقطوفة للتو تملأ الهواء. التوتر والترقب كانا كشحنة كهربائية ناعمة في المكان. اخترتِ أمسية مختلفة عن كل الأمسيات، أمسية عنوانها أن تستمتعي بكل ثانية.
ثم، في الموعد تماماً، دخلت أنا. ببدلة داكنة أنيقة، وابتسامة خفيفة، وعينين تبحثان عن عينيكِ. مشيت إلى طاولتكِ، وكنتِ تشعرين بحضوري قبل أن أقول أي كلمة.
«مساء الخير»، قلت وأنا أقرّب لكِ الكرسي. ثم جلست في مكاني على الجهة الأخرى من الطاولة، كما يفعل الرجل المهذب. من اللحظة الأولى كان واضحاً أن هذا ليس موعد عشاء عادياً.
بدأنا بمشروب قبل العشاء. اخترتِ كأس بروسيكو، وأنا جن وتونيك كلاسيكي. «نخب أمسية مميزة»، قلت ورفعت كأسي. شعرتِ فوراً بالدفء الصادق والمتعة في عينيّ.
الحديث جرى طبيعياً وبلا أي جهد. تكلمنا عن السفر، وعن كتبنا المفضلة، وعن تجارب غريبة وشغف مخبأ. الضحك كان يقاطعنا كثيراً، ذلك الضحك الذي يخرج من أعماقكِ ويتردد في قلبكِ، صافياً وحقيقياً.
وصل الطبق الأول: مقبلات رقيقة من المحار مع قطرة حمضيات ولمسة من الكافيار. انفجار النكهة كان كقبلة من البحر، منعشاً ولا يُنسى. وبينما نستمتع بالطعام شرحت لكِ توازن النكهات، فصرتِ تقدّرين فن الطهي أكثر.
بعد هذه البداية الممتازة جاء الطبق الرئيسي: فيليه مينيون مطهو إلى درجة متوسطة تماماً، على هريس بطاطا بالكمأة وخضار طازجة من الموسم. رأيتِ اللمعة في عينيّ وأنا أتذوق قطعة وأدعوكِ أن تفعلي مثلي. «هذا من الأطباق التي تبقين تحلمين بها»، قلت، وعرفتِ أنني لا أبالغ.
مع الحلوى، موس شوكولاتة غني بلمسة من زهر البرتقال، نظرت في عينيكِ طويلاً واقترحت أن نتمشى بعد العشاء. ابتسامتكِ قالت إنكِ تريدين ذلك، فالليلة لم تنتهِ بعد.
في الخارج كانت المدينة ما زالت ملفوفة بوهج ساحر. مشينا يداً بيد في الأزقة الضيقة، نضحك على أصغر الأشياء ونتقاسم صمتاً له معنى الكلمات نفسه. وجدنا حانة نبيذ صغيرة مخبأة في زاوية بعيدة، فقررنا أن نكمل الأمسية بكأس نبيذ.
الجو كان بسيطاً وبلا تكلف. جلسنا قريبين من بعضنا، نثرثر وأحياناً نرتشف مشروبينا في صمت، نستمتع فقط بأننا معاً في تلك اللحظة وفي ذلك المكان.
اقتربت الليلة من نهايتها وحان وقت الوداع. غادرتِ المكان سعيدة، ومعكِ ذكرى الأطباق الرائعة والأجواء الساحرة، وقلب مليء بحكايات وتجارب جديدة. وأنتِ في طريقكِ إلى البيت عرفتِ أن هذه الليلة ستأخذ مكاناً خاصاً في ذاكرتكِ.
لم يكن موعد عشاء عادياً. كان مغامرة، ليلة من السحر والمتعة. وتعرفين أنكِ إن أردتِ يوماً أمسية أخرى يتوقف فيها العالم قليلاً ويدور كل شيء حول متعة حقيقية، فأنتِ تعرفين بمن تتصلين.
.
